هل اقترب أحد أقدم الصراعات في إفريقيا من نهايته؟

لقد اقام عشرات الآلاف من الجنود، خلال الأربعين سنة الماضية ، حائطاً من الرمال يمتد لمسافة ألف ونصف ميل في عزيف رياح الصحراء. السهول الشاسعة المحيطة بها خالية ومسطحة ، ولا يعترضها سوى كثبان رملية التي في بعض الأحيان تجتازها . وقد تم بناء الجدار، الذي ليس ظاهرة طبيعية، من طرف المملكة المغربية في ثمانينيات القرن الماضي ، كونه أطول حصن دفاعي يستخدم اليوم، والثاني من حيث الطول على الإطلاق بعد سور الصين العظيم. وهذا الجدار، الذي تحيط به الغام أرضية وأسوار كهربائية وأسلاك شائكة، يقسم صحراء تعصف بها الرياح بحجم ولاية كولورادو، والمعروفة بالصحراء الغربية. في السابق كانت مستعمرة إسبانية ، وضمها جارها الشمالي ، المغرب ، في عام 1975، وقد وشنت جماعة متمردة من السكان الصحراويين الأصليين ، تسمى جبهة البوليساريو ، حرب عصابات من أجل الاستقلال، و في عام 1991 ، بعد ستة عشر عاما من الصراع ، وافق الجانبان على وقف إطلاق النار. يمتد الجدار، الذي يفصل بين خصومه، من المحيط الأطلسي إلى جبال المغرب ، على مسافة قريبة من مدينة نيويورك إلى دالاس.
في أواخر العام الماضي ، قمت بزيارة إلى الحزام من جانبه الشرقي، بصحبة عدد قليل من أنصار جبهة البوليساريو من جميع أنحاء العالم ولم أكن أشعر بأنني في أي مكان على وجه الخصوص في مساحة الصحراء، حتى كنا على بعد مائة قدم لفت انتباهنا مرشدنا من البوليساريو الى الصخور المطلية التي تشير إلى حقل ألغام امامنا، حيث على بعد بضعة أمتار تقع قذيفة هاون غير منفجرة في الرمال. دخلنا إلى المنطقة العازلة التي تسيطر عليها الأمم المتحدة وظهر الحزام أمامنا ، والذي يرتفع نحو ستة أقدام ونصف خلف سياج من الأسلاك الشائكة. نظرت إلى اليسار واليمين، وبدا أن الجدار يمتد إلى ما لا نهاية ، تقريبا في السماء الزرقاء.
عندما اقتربنا من أحد التحصينات التي تعلوها الخيام التي تقطع طول الحزام ، بدأ حفنة من الجنود المغاربة يهرولون في الداخل. سألت أحد مرشدي البوليساريو: “هل سيطلقون النار؟” يمكننا أن نرى قمم قبعات الجنود. اجاب “لا ، لا ،” ضاحكاً. وقال إن الصحراويين غالبا ما يتظاهرون أمام الجدار، مطالبين بأن يغادر المغرب للإقليم، فلقد “اعتادوا على ذلك”. بدأت امرأتان في الصراخ على الجنود حول الملك المغربي محمد السادس، صرخوا “محمد ، أيها الأحمق”، “الصحراء ليست لك.”
يسيطر المغرب اليوم على ثمانين في المائة من الإقليم المتنازع عليه ، بينما تحتل جبهة البوليساريو (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) البقية. في البداية بدأت حركة البوليساريو كتمرد مسلح ضد المحتلين الإسبان، واليوم تطلق على الصحراء الغربية “آخر مستعمرة في إفريقيا”، وتؤكد أن المغرب قد حل محل إسبانيا كمستعر، كما تتهم المملكة المغربية باستغلال موارد الإقليم. لقد تعثرت المفاوضات مرارا وتكرارا مما جعل الصحراء الغربية أحد أقدم الصراعات المجمدة في العالم. أعلنت جبهة البوليساريو التي يعترف بها الاتحاد الإفريقي والجزائر التي قدمت الدعم العسكري للجبهة لعقود من الزمن وتستضيف حاليا أكثر من مائة وسبعين ألف لاجئ صحراوي في مخيمات يعيشون حياة مزرية.
لقد انفق المغرب المال في الحزام ، وفي توسيع المدن وتطوير السياحة. لكن جبهة البوليساريو تتهم المملكة بملء الأراضي التي تسيطر عليها بالشرطة والجنود السريين ، وبقمع حرية التعبير والاحتجاجات المؤيدة للاستقلال، وتنتشر أشرطة فيديو على شبكة الإنترنت للتدخل العنيف على المحتجين الصحراويين من قبل الشرطة المغربية. ونفى عمر هلال ، السفير المغربي لدى الأمم المتحدة ، الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم وألقى باللائمة في حوادث العنف على الاحتجاجات غير القانونية. فقد قال لي: “أنت تريد الاحتجاج ، يجب عليك التسجيل – في كل مكان ، حتى هنا في الولايات المتحدة”. وأشار هلال بأصابع الاتهام إلى الجزائر، التي قال إنها أرسلت مشاغبين مدربين إلى الصحراء الغربية. أكبر داعم أجنبي للمغرب هي فرنسا ، الدولة الاستعمارية السابقة للبد، وتحتفظ القيادة الفرنسية والمغربية بعلاقات سياسية واقتصادية وشخصية قوية. وتستخدم الشركات الفرنسية، في كثير من الأحيان، الشركات المغربية للاستثمار في أفريقيا ، حيث غالباً ما تكون غير محبوبة بسبب تاريخها الاستعماري وما بعد الاستعمار، والعديد من السياسيين الفرنسيين يحتفظون بمنازل فخمة في المغرب لقضاء عطلهم.
في الخامس من كانون الأول (ديسمبر) ، ولأول مرة منذ ست سنوات ، جرت مفاوضات في محاولة للشروع في حل للنزاع. وما أدهش الدبلوماسيون القدامى، ان المحادثات جرت في جو هادئ، واتفق فيه الطرفان على الاجتماع مرة أخرى في غضون عدة أشهر. قال لي المسؤولون الحاليون إن المستشار الجديد للأمن القومي للرئيس جون ترامب ، جون بولتون ، قد لعب دوراً مهماً في دفع المجموعات إلى المائدة المستديرة. وقال لي أحد كبار المسؤولين المقربين من المحادثات ان “جون بولتون والمشاركة الهائلة التي قدمها الأمريكيون الآن ساعدت كثيراً”. بعض الدبلوماسيين المشاركين في المفاوضات يعزون التغييرات ل”تأثير بولتون”.
وخلال حدث نظم في واشنطن في منتصف شهر ديسمبر ، اين تم الكشف عن استراتيجية إفريقيا الجديدة لإدارة ترامب ، أخبرني بولتون أنه متلهف لإنهاء الصراع، حيث قال “عليك أن تفكر في شعب الصحراء الغربية ، فكر في الصحراويين الذين لا يزال العديد منهم في مخيمات اللاجئين بالقرب من تندوف وفي الصحراء الكبرى ، هؤلاء الذين علينا أن نسمح لهم ولأطفالهم بالعودة والعيش بشكل طبيعي “.
يعرف بولتون الصراع بشكل جيد، وقد عمل في مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام في المنطقة في عام 1991 ، وابتداءً من أواخر التسعينات كان جزءاً من فريق التفاوض التابع للأمم المتحدة ، بقيادة جيمس بيكر الثالث وزير الخارجية السابق ، الذي اقترب من التوسط في الاتفاق على تنظيم استفتاء الاستقلال في الصحراء الغربية (وافقت البوليساريو على الاقتراح ، لكن المغرب لم يوافق على ذلك). قال لي بيكر في مقابلة في هيوستن إن الصراع “لم يتم التعامل معه بشكل جيد ، وهذا هو سبب استمراره.”
منذ تعيين جون بولتون في شهر مارس ، كان هناك نشاط كبير فيما يتعلق نبزاع الصحراء الغربية في الأمم المتحدة وفي وزارة الخارجية. فقد قال لي بولتون ان “هناك أمريكيان يركزان كثيرًا على الصحراء الغربية: الأول هو جيم بيكر والآخر هو أنا” و “أعتقد أنه يجب أن تكون هناك ضغوط مكثفة على جميع الأطراف المعنية لمعرفة ما إذا كانوا لا يستطيعون العمل على حلها”. وبناء على إصرار الولايات المتحدة واستياء الدبلوماسيين المغاربة والفرنسيين ، تم تمديد عهدة الأمم المتحدة لحفظ السلام للصحراء الغربية لستة أشهر فقط بدلاً من عام (لطالما أكد بولتون أن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام هناك أطالت أمد الصراع عن طريق الانتقاص من الجهود المبذولة لحل القضايا الأساسية)، وفي أكتوبر تم تجديد الولاية لمدة ستة أشهر أخرى. أخبرني بولتون “بعد سبعة وعشرين عامًا لم أفقد صبرًا يوما” و “افقد صبري فقط عندما أفكر في ذلك.”
واتهم بولتون المغرب مراراً وتكراراً بالقيام بتكتيكات التأخير لعرقلة المفاوضات، وكتب في عام 2007 ان “المغرب في متناوله كل الصحراء الغربية تقريباً ، ويسعده أن يحافظ على هذا النحو ، ويتوقع أن يتحول سيطرة الأمر الواقع الى سيطرة بحكم القانون بمرور الزمن”.
يعتقد العديد من المراقبين المغاربة أن بولتون متعاطف مع البوليساريو، حيث كتب طارق قتاب مقال هذا الربيع لموقع الأخبار المغربي 360 Le، الذي يعكس وجهة نظر الحكومة، ان ” جون بولتون ميز نفسه باتخاذ مواقف قريبة من تلك الخاصة بالانفصاليين”. كما قام المسؤولون المغاربة بجهد متظافر من اجل كسب ود ترامب وبولتون، بحيث قام المغرب بقطع علاقاته الديبلوماسية مع ايران، أحد اكثر اعداء ترامب في شهر مايو. وبعد ذلك ، في سبتمبر ، ادعى وزير الخارجية المغربي في مقابلة مع الموقع المحافظ على شبكة الإنترنت Breitbart أن البوليساريو تلقت التدريب العسكري والأسلحة من قبل حزب الله نيابة عن ايران (لم يقدم المغرب أي دليل على هذه الادعاءات ، وأخبرني المحللون أن مثل هذا الارتباط غير محتمل إلى حد كبير


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *